السيد محمد الصدر
78
ما وراء الفقه
الوحيد . ثم توفي موسى . وآل الأمر إلى تسلسل هذه السدانة والكهانة في ذرية هارون عليه السلام . ولا يبدو من التوراة أن موسى عليه السلام أعطى تعليما عاما من هذا القبيل لتسلسل السدانة . وإنما فقط باعتبار إيكالها إلى ابن هارون . وقد كان رجلا صالحا أيضا . فإيكالها إلى الذرية غير الصالحة مؤكد الفساد . إلا أن الأرباح التي كانت تأتي إلى الكاهن حدا بالذرية إلى تبنيها . وإلى تعدد الكهنة أيضا . فلما ذا يكون لخيمة الاجتماع كاهن واحد ، فليكن هناك كهنة متعددون . كلهم لهم صفة ( رجال الدين ) وكلهم مسيطرون دينيا على المجتمع وكلهم تردهم الأموال الطائلة . وكلهم يدعون في الدين مقامات عالية إلى آخره . وهكذا وجدت بعد موسى عليه السلام في اليهود طبقة متكاملة هي طبقة الكهان . وفي هذا الصدد بالذات ، فإن الكاهن والراهب بمعنى واحد . ولذا سماهم القرآن الكريم أحبارا ورهبانا ، وانتقدهم بشدة لسوء تصرفهم جعلوا * ( أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ ا للهِ ) * . وورد في تفسيرها أنهم أطاعوهم في معصية اللَّه سبحانه . والذي يبدو أن من جملة المقامات التي كان يدعيها هؤلاء الكهان أو الرهبان . اتصالهم بالملائكة والجن وأخذ الأخبار عنهم وإعطائها إلى الناس عند عرض مشكلة أو قضاء حاجة . ومن هنا تفشت الكهانة بهذا المعنى الجديد ، وهو استلام الأخبار من الجن والشياطين وإعطائها للناس . ولم يعرف العرب قبل الإسلام غير هذا النوع من الكهانة ، ولم يفهموا من الكاهن غير ذلك . إلى حد أن ابن منظور في لسان العرب لم يذكر له أي معنى آخر . وكان هؤلاء الكهنة يدّعون أن الجن والشياطين يصعدون إلى السماء